مقالات واراء

حكومة التأسيس: التعليم في مواجهة إحتكار دولة مع بعد الإستعمار

عبدالله ديدان

يمثل إنطلاق وإنجاز إمتحانات الشهادة السودانية في المناطق تحت إدارة حكومة السلام التأسيسية، حدثاً يتجاوز أبعاده التعليمية المباشرة ليعكس تحولات سياسية عميقة يشهدها السودان في ظل الحرب المستمرة، وإنهيار مؤسسات الدولة التقليدية. فبينما ينظر البعض إلى هذه الإمتحانات بإعتبارها إجراءً إستثنائياً فرضته ظروف الحرب لحماية حق الطلاب في التعليم، يراها آخرون جزءاً من عملية أوسع لإعادة بناء مؤسسات الدولة السودانية على أسس جديدة، أكثر عدالة ومشاركة والرؤية الأخيرة، هي الأكثر عمقا وحقيقة.

لقد عانى السودان فى حقبة ما بعد الإستعمار من إختلالات بنيوية في توزيع السلطة والثروة والخدمات والحقوق، حيث تركزت مؤسسات الدولة ومواردها في المركز، بينما ظلت أقاليم واسعة مثل دارفور وكردفان والنيل الأزرق وشرق السودان، تعاني من التهميش وضعف الخدمات الأساسية، بما في ذلك التعليم. ولم تكن قضية التعليم مجرد مسألة خدمية، بل أصبحت مع مرور الوقت إحدى مظاهر عدم المساواة بين المركز والهامش، وقد أدى ذلك إلى تراكم شعور عميق بالغبن لدى قطاعات واسعة من السكان الذين رأوا أن دولة ما بعد الإستعمار لم تكن تمثلهم ولم تكن قائمة على أسس دولة المواطنة والعدالة.

ومع إندلاع الحرب الأخيرة بفعل الحركة الإسلامية وتحالف مراكز قوي السودان القديم، دخل قطاع التعليم في واحدة من أسوأ أزماته في تاريخ السودان الحديث. فقد أغلقت آلاف المدارس، وتوقفت العملية التعليمية في مناطق واسعة، وتعرض ملايين الطلاب لخطر فقدان حقهم في التعليم ومستقبلهم الأكاديميبسبب سياسات تحالف دولة مابعد الإستعمار الإقصائية، وفي ظل هذا الواقع، برزت الحاجة إلى حلول إستثنائية تضمن إستمرار التعليم وتحمي جيلاً كاملاً من الضياع، ومن هنا جاءت مبادرة حكومة السلام التأسيسة التى تعبر عن الشعوب السودانية، لتنظيم إمتحانات الشهادة السودانية باعتبارها إستجابة عملية لأزمة حقيقية يعيشها الطلاب وأسرهم، الشئ الذي يعكس توجه حكومة السلام الموضوعي والمستجيب لمعالجة الإختلات التاريخية، فكان أن انجزت أول ما بدأت مشوار التعليم وهو مفتاح الحقوق والعدالة والمواطنة.

غير أن أهمية هذه الخطوة لا تكمن فقط في تمكين الطلاب من الجلوس للإمتحانات، بل في دلالتها السياسية والمؤسسية،فالإمتحانات العامة تعد من أبرز وظائف الدولة الحديثة، وعندما تنجح سلطة تأسيسة في تنظيمها وإدارتها، فإنها لا تقدم خدمة تعليمية فحسب، وإنما تؤكد أيضاً قدرتها على إدارة الشأن العام وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين، وشرعية ومشروعية تأسيس سودان جديد لكل الشعوب السودانية.

ومن زاوية مشروع السودان الجديد، تكتسب هذه التجربة أهمية خاصة لأنها ترتبط بفكرة إعادة تأسيس الدولة من خلال بناء مؤسسات تستجيب لإحتياجات المواطنين الأساسية، بعيداً عن إحتكار المركز التاريخي للسلطة، فجوهر الأزمة السودانية، وفق هذا المنظور، لا يكمن فقط في الصراع على السلطة، وإنما في طبيعة الدولة نفسها وفي إستمرار أنماط الإقصاء والتهميش التي صاحبت نشأتها منذ العام 1956. لذلك فإن بناء مؤسسات تعليمية وخدمية وإدارية في مناطق الهامش يُنظر إليه باعتباره جزءاً من عملية أوسع تهدف إلى إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس المواطنة المتساوية والعدالة والشراكة وأداء الوجبات الأساسية للدولة بمنظور جديد لترتيبها، فلا يمكن لأمة أن تنهض وتتعافي إلا بالتعليم.

إن امتحانات الشهادة السودانية في مناطق حكومة السلامالتأسيسية، تمثل في جوهرها إختباراً لمستقبل السودان أكثر من كونها إختباراً للطلاب، فهي تعكس صراعاً بين نموذج الدولة المركزية التي إحتكرت المؤسسات والموارد لعقود طويلة، وبين رؤى جديدة تسعى إلى بناء دولة تقوم على المشاركة والعدالة والإعتراف بالتنوع. وفي هذا السياق، تصبح قاعات الامتحانات رمزاً لإرادة الحياة والإستمرار وسط الحرب، ودليلاً على أن بناء المؤسسات قد يكون أكثر تأثيراً في صناعة المستقبل من الصراع المسلح نفسه. فالمعركة الحقيقية من أجل السودان الجديد لا تُخاض فقط في ميادين السياسة والحرب، بل تُخاض أيضاً في المدارس والجامعات وكل مساحة تسهم في بناء الإنسان وصناعة المستقبل.

بذلك تكون حكومة السلام التأسيسة، قد وضعت خطا فاصلا بين السودان القديم والسودان الجديد، فالبدايات الصحيحة تعكس المستقبل الذي ينتظر الشعوب السودانية، وتحرير الإنسان السودان من تحالف مراكز قوي ما بعد الإستعمار الغاشمة والفاشلة، والبدأ بالحقوق والعدالة والمواطنة والإستثمار فى الإنسان.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى