مقالات واراء

خنجر التأويل السياسي السموم المدسوس في جفير القانون

طلب الختم يكتب:

في سابقة غريبة على بيئة الممارسة التنظيمية في حزب الامة القومي، استعانت الدكتورة مريم الصادق بأصدقاء من خارج حقل الحزب القانوني لاستكتابهم حول مشروعية قرار مؤسسة الرئاسة فيما يتعلق بإنهاء تكليف رئيس الحزب اللواء فضل الله برمة ناصر، وكانت خلاصة رأيهم تأكيد مشروعية القرار الصادر من مؤسسة الرئاسة وبطلان قرارات رئيس الحزب.

والاكثر استغرابا، هو أن الفتوى الصادرة انطوت على اجتزاء النصوص القانونية من سياقات الدلالة الحقيقية للدلالة المجازية، من خلال عملية اجتهاد فطيرة اعتمدت التفسير الحرفي الممزوج بالتأويل السياسي لنصوص دستور حزب الامه القومي بعيدا عن نية المشرع المصرح بها أو تلك المفترضة التي يستوجب استصحابها في عملية التأويل القانوني عند غياب النص الواضح الصريح.

ومن المعلوم بالضرورة سد ثغرات غياب النص القانوني في أي تشريع تستوجب استحضار المنطق لاستخلاص نوايا وأهداف المشرع،فسكوت دستور حزب الامة عن موضوع إستخلاف الرئيس لايعني إن نية المشرع انصرفت لتثبيت حالة الفراغ المفضي للفوضى والاضطراب في حالة غياب الرئيس بالمرض أو الموت فإن كان ذلك كذلك ماهو هدف المشرع من منح الرئيس حق اختيار نوابه بحسب منطوق المادة (١٤) فقره(١) وماهى مهمة النائب بحسب ماجرى عليه العمل عرفا وقانونا اليست الهدف من ذلك الإنابة في أي من حالات الغياب بفعل المرض أو العجز أو الموت وبالتالي لايحتاج ذلك حتى لمجرد ميثاق أو اتفاق خارج سياقات وروح الدستور.

ومن المعلوم بالضرورة ولأهمية اختيار نوابه اختار الرئيس الراحل طيب الله ثراه وعطر ذكراه وفور انتخابه من المؤتمر العام اختار نوابه اللواء/ فضل الله برمة ناصر والسيد/ نصرالدين الهادي (عزله الرئيس لاحقا) وعرضهم على الهيئة المركزية في اجتماعها الأول الذي انتخبت فيه وقتها الفريق صديق محمد اسماعيل أمينا عاما وقوبل ذلك بالمباركة التي ترتفع لمستوى التفويض مما يجعل الرئيس الحالى الأجدر من جميع رصفاءه بالإنابة قياسا بالاقدمية ومنهج وتوقيت الاختيار.

ذهب الزملاء الموقرين ودون الإحاطة بتراتيب القياده وبوقائع الممارسة التنظيمية داخل حزب الامة القومي ذهبوا في رأيهم إلى أن صلاحية الرئيس المكلف تتقلص عن صلاحيات الرئيس المنتخب بحسبان أن انخفاض مستوى التفويض من الانتخاب للتكليف يجعل الرئيس المكلف غير مؤهل لممارسة صلاحيات وسلطات الرئيس المنصوص عليها في المادة (١٤).

ومعلوم أن صلاحيات الرئيس لايحددها مستوى التفويض وانما طبيعة النظام الذي أقره الدستور وفلسفة المشرع من تفويض السلطات والاختصاصات للمؤسسات الواردة في الدستور فغياب الرئيس في أي نظام ديمقراطي في عالم لايجعل خلفة الصاعد بتراتيب الاستخلاف منقوص الاهليه في تولي سلطاته ومهامه ،،،
والمتأمل في طبيعة النظام الدستوي لحزب الامه القومي يتضح له أنه انبنى على فرضية ترسيخ روح النظام الرئاسي الذي يكون فيه رئيس الحزب هو المسئول الدستوري الاعلى.

ومعلوم أن أهداف المشرع من هذه الفلسفة هى تحقيق أعلى درجات الاستقرار التنظيمي والسياسي في الحزب وقد تجلت أهمية هذا النظام في عدم حدوث أي ارتجاج مؤثر في بنية الحزب التنظيمية رغم هزات الانشقاق العنيفة التي تعرض لها الحزب في مراحل مختلفة,,,
والمعلوم أن المشرع استخلص أهمية تصميم النظام الدستوري للحزب من خلال استلهام أول تجربة انشقاق في الحزب والتي ضربت جذورة في العام ١٩٦٦ووقتها كانت صلاحيات القيادة موزعة ما بين الرئيس والسكرتير العام.

وبالتالي استلهاما لروح هذا النظام تكون صلاحيات الرئيس وسلطاته ثابته ومرتفعة بغض النظر عن منبع التفويض أو التكليف،كما أن التعريف الوارد في المادة (٢) من دستور حزب الامه القومي من أهدافه الواضحة تثبيت صفة المنهج المستديم الذي يستوجب اختيار الرئيس عبره باعتبار أن التكليف أمرا طارئا واستثنائيا لايستوجب اطلاقة لوصف الرئيس دستوريا في حزب ديمقراطي لكن ذلك لا ينقص من صفة الحق والاختصاص في تصريف موجبات ومهام الرئاسة في مرحلة الانتقال الاستثنائي.

كنت اتصور من زملاء لديهم تجربة عتيقة ومعرفة عميقة بالقانون أن لا يستسهلوا مسألة القياس في حالة غياب النص الدستوري بملء حالة الفراغ في غياب الرئيس استنادا على تأويل سياسي يوافق هوى طالب الفتوى فقط والمعلوم ومن واقع البحث في التطور الدستوري لحزب بعراقة حزب الامة القومي فإن غياب النص في دستوره الحالي اول ما يستوجب هو استقراء تاريخ الحزب من واقع سوابق الممارسة الدستورية لحزب غالب عملية التطور الدستوري منذ العام ١٩٤٥حتى العام ٢٠٠٨.

وحتى إن غاب النص في تجارب الحزب الدستورية السابقة يمكن استلهام ذلك من بيئة تشريعات ودساتير الاحزاب الديمقراطية المتسقه في البناء الدستوري مع الحزب أو من خلال تجارب الممارسة المشابهة أو حتى العرف في حالة غياب النص الواضح وفوق كل ذلك إقرار المشرع بأهمية إلزام الرئيس وجوبا باختيار نوابة يصلح لاستنباط نيته لتوطين حالة النظام والاستقرار لا الفوضى والاضطراب في حالة فراغ منصب الرئيس.

وبالتالي قياسا على سوابق الممارسة واستلهاما لروح نصوص الدستور واستصحابا لنوايا المشرع فان احقية الرئيس الحالي مستمده من أسبقية وتوقيت اختياره كنائب اول للرئيس لازم اختياره تفويض الرئيس من المؤتمر العام السابع وقصد الرئيس تعزيز اختياره بعرضه على الهيئة المركزية في اجتماعها الذي تلى اختيار الرئيس مباشرة في اليوم الثاني وقد نال ذلك تبريكا يشابه التفويض.

مما سبق أعلاه وبالتدبر تتجلى الاهداف المدسوسة للرأي القانوني الزميلين الموقرين من خلال طغيان التأويل السياسي المختل الذي أقر مخالفة قرارات رئيس حزب الامة القومي الحالي لنصوص المواد (٣)(ز) و(٣)(أ)والماده(٥) من دستور حزب الامة القومي باعتبار أن مشاركة الرئيس في موتمر نيروبي انطوت على مخالفة واضحة لدستور الحزب ومبادئه لأن الاتفاق الموقع عليه يهدد وحدة السودان الطوعية وصيانة أمنة القومي وبناء الوطن على اسس العدالة والمساواة كل هذه الكبائر ارتكبها الرئيس المكلف بحسب استخلاص الزملاء .

ومن باب الموضوعية واستلهام روح العدالة كان يتوجب على الزملاء الموقرين تبيان اوجه المخالفة من واقع استقراء نصوص ومتون الوثائق التي وقع عليها الرئيس وهى (الميثاق السياسي والدستوري) ليفندوا وجه المخالفة لمبادئ الحزب وكيف أن هذه الوثائق تهدد وحدة السودان وأمنه القومي وتنسف مبادئ العدالة بحسب ما اوردوا في تأويلهم التسطيحي ,,,
فهل الإقرار بأهمية تاسيس حكومة في غالب مناطق السودان المنكوبة بالفوضى وحالة انهيار سلطان الدولة العام وتحلل النظام وغياب حكم القانون يعتبر ذلك تهديدا لوحدة السودان وأمنه القومي؟ وأيهما يهدد وحدة السودان وأمنه القومي حضور النظام ام سيادة الفوضى ؟

وهل يهدد وحدة السودان من يناصرون دعاة الحرب المتصلبون على رفض إيقافها المنكفئون على استمرار الفوضى والمصرون على القهر المبني على فرضية التمييز العنصري والاجتماعي بين المواطنين !ام الذين يدعون لوقف الحرب من خلال تدبير السبل المتاحة لحماية المواطنيين المنكوبين بالحرب والجور النابع من فوضى الأرض والموت المنهمر من جور الفضاء؟

سمة عوار يتجلى أكثر وضوحا في فتوي الزميلين الموقرين عند الحديث عن مخالفة المؤسسية المستمد من اجتهاد مؤسسة الرئاسة التي نبتت مثل (البروس) في ارض الحزب دون أي سند دستوري أو سابقة ممارسة مستقرة فالمؤسسات المتعارف و المنصوص عليها في دستور حزب الامه القومي والتي تتأسس عليها مشروعية قراراته هى مجلس التنسيق بحسب منطوق المادة (١٨) والمكتب السياسي المادة(١٩) والهيئة المركزيه المادة(١٦)والمؤتمر العام المادة (٦) ولم ينعقد اي منها ليحدد مدى مشروعية قرارات الرئيس من عدمها.

نستخلص من كل ما أوردنا عاليه أن ماورد في رأي الزملاء المحترمين هو مجرد تأويل سياسي مخلوط بتفسير قانوني سطحي وفطير لنصوص دستور حزب الامه القومي مثل اختلاط الزيت بالماء ولن يحرك ذلك ماكينة مؤسسة الرئاسة المعطلة لأن الرأي المذكور ليست له اي قيمة قانونية لا من زاوية التأسيس المعرفي ولاصفة الاختصاص حتى يؤكد مدى مشروعية طبيعة القرارات داخل حزب الامة القومي الذي حدد دستورة المؤسسات التي تمتلك اختصاص الفتوى والتقرير في مشروعية قرارات الحزب وفقا لدستوره ولوائحة،،،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى