
الطابور الخامس ( Fifth column) مصطلح متداول في أدبيات العلوم السياسية والاجتماعية نشأ أثناء الحرب الأهلية الأسبانية التي نشبت عام (1936 ) واستمرت ثلاث سنوات وأول من أطلق هذا التعبير هو الجنرال “إميليو مولا” أحد قادة القوات الوطنية الزاحفة على مدريد وكانت تتكون من أربعة طوابير من الثوار فقال حينها إن هناك طابورًا خامسًا يعمل مع الوطنيين لجيش الجنرال “فرانكو” ضد الحكومة التي كانت ذات ميول ماركسية يسارية من داخل مدريد ويقصد به “مؤيدي فرانكو” من الشعب، وبعدها ترسخ هذا المعنى في الاعتماد على الجواسيس في الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكى والراسمالى)…
” هذه سلسلة من مشاهد لجراحات المنطقة المؤلمة لحد الفجيعة لجرائم ارتكبت بحق الإنسانية بما يمكن وصفها بجرائم الابادة الجماعية وهى ماتجعل مرتكبيها مجرمين حرب يجب ان يخضعوا لمفهوم العدالة الإنتقالية تأسيسا لانتقال يسهم فى بناء دولة تقوم على الحقيقة والمصالحة , وهذا النوع من الجرائم لايمكن ان يسقط بالتقادم لأن آثار الجريمة هنا مستمرة بإستمرار الآجيال”
ياعيال الكلب انتظروني الليلة ح اطلع (ميتينكم) وميتين اهلكم زاتوا، بهذه العبارة التي تستضمر شراً محطاً يبدأ عبثنا الطفولي بمطاردة “ابوصرة” التي تستمر حتي مشارف حي كليمو العريق بمدينة كادوقلي، ثم يغفل راجعاً نحو مسكنه بالمحكمة الجزائية التي تجاور مكتب المراعي والعلف، والتي صارت فيما بعد مقراً للجهاز القضائي بجنوب كردفان.
في منتصف الثمانينات تقريباً، اتخذ “ابوصرة” هذا المكان سكناً له، ولم نعرف عنه شئياً سوي إنه مختلاً عقلياً، وكنا حينها تلاميذ بمدرسة كادوقلي الشرقية تتخطفنا الأمنيات بمستقبل تنعم فيه الإنسانية بالخير والامن والسلام، كان “ابو صرة” ويبدو من إهتماماته إنه تلّقي قدراً من التعليم، إذ كان يمتلك جهاز “ناشيونال” وعدد من اشرطة الكاسيت لأساطين الطرب والموسيقي السودانية مثل إبراهيم عوض وزيدان إبراهيم والكابلي ووردي، وبجانب ذلك كان مهتماً بالإذاعة خصوصاً ” البي البي سي” وإذاعة الجيش الشعبي لتحرير السودان حينها، والأخيرة كانت ممنوعاً الإستماع إليها من قبل الإستخبارات العسكرية بكادوقلي، فيسترق العديد من المواطنين الإستماع إليها بصوتٍ خافت للراديو.
كنا حين العودة من دروس العصر يأخذنا عبث الطفولة ناحية مسكن ” ابوصرة” ، وحين نقترب منه نصيح بأعلي اصواتنا
ابوصرة (…………..) مُرة، ومابين الأقواس كلمة نستسهل قولها في مجالسنا الخاصة، ونستحئ من قولها في كتاباتنا وفي مجالس العامة، وحينما يسمع “ابوصرة” هذه العبارة من مخبئه غاضباً ومن عينيه يتطاير الشرر وهو يردد
ياعيال الحرام الليلة ح اطلع ميتينكم
وتنتهي هذه المطاردة حتي تخوم الحي ثم يغفل راجعاً وهو يتسكّع في مشيته إلي حيث مسكنه المتوحش.
ذات مرة ارتفع صوت الراديو عالياً، وتحديداً عند الساعة الثالثة عصراً وهو موعد بث إذاعة الجيش الشعبي لتحرير السودان، والذي حمل هذه المرة مناشدات مستمرة بصوت الراحل المقيم ” دوت كات” من الإعلام للثوري وصاحب مقولة “هنا إذاعة الجيش الشعبي لتحرير السودان،صوت النضال الثوري السوداني المسلح” بلكنة جنوبية محببة، خلقت بينه وبين المستمعين مشائج من الإلفة والمحبة
تجمّع الموظفين تحت أشجار المهوقني وهم يترقبّون الحدث المهم، والذي غير مجري وتاريخ الاحداث السياسية بجبال النوبة، صادف هذا الخبر إنتهاء ساعات الدوام الرسمية وكادوقلي وقتها تُمثّل فتحاً وظيفياً ، ومن يتم نقله الي كادوقلي من الموظفين فإنه قد فتحت عليه ابواب الرزق من السماء، وحينها كان الموظف لايقل شأناً عن المغترب، تجمع حول اشجار المهوقني علي إمتداد الشارع الموظفين علي دراجاتهم العادية ، جاءوا من مصنع النسيج ومصنع الطحنية بجانب هئية توفير المياه ومؤسسة جبال النوبة الزراعية والمديرية وعمال المستشفي وهم يترقبون بيان إنضمام القائد يوسف كوة مكي بجانب آخرين من تنظيم ” الكمولوا” للحركة الشعبية لتحرير السودان.
وحينما بدأ يوسف كوة قراءة البيان، كانت قد حضرت قوة من الإستخبارات علي عربة ” لاندروفر” وهي تردي الزي المدني وأمرت الجميع بمغادرة المكان مع توجيه الإتهام للجميع ” كلكم طابور خامس” ،والزول الجوه دا الليلة ح نطلع ميتينو!!
وبالفعل دخل بعض الأفراد الي داخل كوخ ” ابوصرة” واخذوه عنوةً، ثم قذفوا به إلي داخل عربة اللاندروفر وبعضهم يردد وقد بدأت ملامح مصير “ابوصرة” علي عيونهم التي تضاير منها الشرر ” ح نطلع ميتينك”؟
وفي اليوم الثاني للحادث حضرنا تقودنا شيطنة الطفولة الي مقر ” أبوصرة” لممارسة عبثنا في الجري والمساسكة والإستمتاع بعبارة “ياعيال الكلب انتظروني الليلة ح اطلع ميتينكم”، لم نجده في مكانه ولكن وجدنا غير ذلك قد تم حرق كل اثاثاته البسيطة وبعضها متناثرة علي الباب وقد وجدنا احد افراد الإستخبارات من الإتجاه الشرقي ويبدو إنه قد وِضع في هذا المكان للمراقبة، فقام بزجرنا قائلاً
عندكم شنو هنا ،، الزول دا فسحوه قبيل الصباح.
ورجعنا بعد ان تثاقلت اقدام من وقع هذه الإجابة، فكلمة “فسحوه” يعني اعدموه بخور العفن ، وهو لايقوي علي الدفاع عن نفسه بأنه يعيش في عالم آخر غير عوالمنا التي نعيش فيها من الكذب والنفاق، يعيش في عوالمه اكثر وعياً من تلك العوالم المزيفة بالكراهية والعنصرية، قتلوه ثم لم يجدوا إجابة علي قتله بعد ان طلعوا “ميتين” طفولتنا البريئة.



