مقالات واراء

محنة محمد جلال… مفكّرٌ قتلته الردّة

عمار نجم الدين

(( يكتب الدكتور محمد جلال هاشم اليوم مقالًا لا يشبه تاريخه، ولا يشبه منهجه، ولا يشبه الرجل نفسه؛ مقالًا يُعلن فيه ـ لأول مرة ـ الردّة الكاملة عن المشروع الذي كرّس له نصف قرن من النقد البنيوي للمركز. ))

كتب الدكتور محمد جلال هاشم، في مقاله الأخير حول ما وصفه بـ“الجديد” في مكالمة ولي العهد السعودي مع رئيس الولايات المتحدة، سرديةً غريبة على تاريخه الفكري، ومناقضة لكل المنهج الذي بناه عبر نصف قرن من نقد المركز الإسلاموعروبي. فقد أراد أن يقنع القارئ بأن المكالمة “صحّحت” للولايات المتحدة فهمها عن السودان، وبأن المركز — ممثّلًا في الجيش والسلطة القائمة — هو “الدولة”، وأنّ القوى المدنية مجرد كمبرادور مصطنع، وأنّ الحرب ليست حرب مركز ضد هامش، بل مجرّد سوء قراءة غربية للوضع.

هذا المقال — تحديدًا هذا المقال — هو الذي يستحق الوقوف عنده، لأنّه ليس مجرد تحليل سياسي، بل وثيقة ردّة معرفية مكتملة الأركان. إنه لحظة يقتل فيها المفكر مشروعه بيده، لحظة ينقلب فيها الوعي على نفسه، لحظة يتحقق فيها قول مظفر النواب بأكثر صوره فجاجة

(( قتلتنا الردّة… قتلتنا الردّة… قتلتنا الردّة… قتلتنا إن الواحد منّا يحمل في الداخل ضده.))

والكارثة هنا أن الدكتور محمد جلال حمل مشروعه في الداخل ضده، فانقلب المشروع على صاحبه قبل أن ينقلب صاحبه عليه
كيف يمكن لمن قضى نصف عمره في فضح المركز الإسلاموعروبي أن يكتب اليوم مرافعة كاملة لإحياء نفس المركز وبعث أنفاسه؟
ط
كيف يمكن لمن بنى منهجه على تفكيك بنية الدولة المركزية أن يصف تلك البنية — التي انهارت بأنها “دولة قائمة بمؤسساتها”؟
كيف يمكن لمن وصف الجيش بأنه “الإنقاذ 2” و“حارس الامتياز” أن يكتب اليوم أنه الجيش الوطني الحامي للشرعية؟
كيف يمكن لمن قال إن المركز ينتج الموت في دارفور، أن يجلس الآن في ذات البنية الأيديولوجية ويمنحها شهادات البراءة؟

المقال الأخير ليس اجتهادًا سياسيًا، بل جينالوجيا انقلاب داخلي على وعيه القديم.
وما يجعل الردّة أعمق وأشدّ مأساوية هو أن التراجع لم يأتِ بسبب ظروف الحرب فحسب، بل جاء ضدّ تاريخ الرجل نفسه.

في محاضرته الشهيرة بأمستردام قبل عشرة أعوام — قبل الثورة، قبل الحرب، قبل “تأسيس”، قبل الدعم السريع — قال محمد جلال إن استمرار المركز الإسلاموعروبي سيقود إلى سيناريو شرق إفريقيا:
قوى الهامش تكتسح المركز، تهدم الجيش القديم، وتصنع جيشًا وبوليسًا وأمنًا جديدًا.
واستشهد برواندا وأوغندا والكونغو وإريتريا والصومال، بل قال إن السودان نفسه يملك نموذجين جاهزين: محمد نور سعد والمهدية.
وكرر تلك المقولة في مقال بصحيفة الركوبة

(( سيناريوات التغيير في السودان ))
صورة د. محمد جلال هاشم د. محمد جلال هاشم1 أبريل،

2011
فهل تبخّرت تلك القراءة؟
هل سقطت تلك الأدوات البنيوية؟
هل تعطّلت تلك الرؤية التي صمدت لعقود؟
أم أن الردّة فعلت ما فعلت؟
يريد محمد جلال في مقاله أن يقنعنا بأن السعودية “صحّحت” سوء فهم أمريكا.
لكن الولايات المتحدة — التي كان هو نفسه يقول إنها تعرف الكمبرادور وتشكّله — لا يمكن أن تكون جاهلة بهوية من يحكم السودان. هذا التناقض ليس سياسيًا؛ إنه سقوط إبستمولوجي ينسف مقاله من أساسه، ويكشف أن النص لم يُكتب بوصفه تحليلًا، بل بوصفه محاولة متأخرة لبناء شرعية لمركز ميت.

إنّ مقال محمد جلال الأخير ليس مجرد رأي، بل علامة انهيار مشروع.
هو انتقال من خطاب نقدي إلى خطاب تبريري، من تفكيك الهيمنة إلى خدمتها، من رؤية تحررية إلى لاهوت سياسي للمركز.

المركز لم يتبدّل.
الدولة لم تُبعث.
الجيش لم يتحوّل.
والخريطة البنيوية لم تتغيّر.

الذي تغيّر هو محمد جلال نفسه.

أما السودان الجديد — الذي عرفناه نحن في الهامش، وخبرنا تكوينه، ودفعنا ثمنه — فهو يولد الآن من خارج المركز، ومن خارج البنية الإسلاموعروبية، ولا يحتاج مباركة من مفكر قتله مشروعه، ولا من مقال كتب في لحظة سقوط معرفي.

هذه هي المحنة.
هذه هي الردّة.
وهذا هو المصير الذي انتهى إليه رجل حمل في داخله ضده… فقتلته الفكرة قبل أن يقتلها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى