مقالات واراء

قراءة في التحولات الراهنة وتكتيكات الفلول للتسلل إلى المشهد السياسي

محمد ضياء الدين

تشهد البلاد اليوم واحدة من أكثر مراحل تطورها حساسية وتعقيداً. فمع تصاعد الضغوط الدولية والإقليمية من قِبل “الرباعية الدولية” على طرفي الحرب، يبدو أن الجميع بات أمام واقع جديد لا يحتمل إستمرار الحرب أو المراهنة على نتائجها غير المحسومة.

في ظل هذه التحولات المتسارعة، تلوح في الأفق ملامح إتفاق سياسي يتطلع أهل السودان أن يفتح الباب أمام وقف شامل لإطلاق النار، ومعالجة التداعيات الإنسانية للحرب، وعودة النازحين واللاجئين إلى ديارهم، وإعادة الإعمار، واستعادة المسار الانتقالي الذي تعطّل بانقلاب 25 أكتوبر 2021.
غير أن هذا المسار لا يخلو من التحديات، إذ أعاد خلط الأوراق داخل المعسكر الإسلاموي الذي يقود الحرب، والذي ظلّ يرى في الحرب وسيلته الأخيرة للعودة إلى السلطة عبر المؤسسة العسكرية.

من نافلة القول إن الحديث المتزايد عن التسوية السياسية المرتقبة شكّل صدمة قوية للحركة الإسلاموية، التي بنت خطابها التعبوي طوال الفترة الماضية على شعار “الحرب حتى آخر جنجويدي”. ومع تطورات حراك الرباعية، بدأ هذا التيار التحريضي مؤخراً في تغيير لغته السياسية والإعلامية بخجل واضح لا يخلو من خبث، في محاولة للتكيّف مع الواقع الجديد حتى لا يكون ضحية للتسوية المرتقبة، ويفقد بذلك نفوذه داخل مؤسسات الدولة أو بين قواعده التنظيمية.
فبعد شعارات “بل بس” و”لا تفاوض إلا بعد الحسم”، بدأت تطفو على السطح مفردات جديدة مثل، “السلام العادل” و”ما لم نحققه بالحرب نحققه بالسلام” و”تسوية تحفظ السيادة”. وهي محاولة لإعادة تلميع الصورة بخرقة متسخة، وإيهام الرأي العام بأنهم جزء من الحل لا من المشكلة.

لكن هذا التحول في جوهره لا يعبر عن مراجعة فكرية أو سياسية، الحقيقة أن هذا التحول الإضطراري يعكس إرتباك واضح وخوف من الإقصاء والمساءلة. فالإسلامويون يدركون أن ميزان القوى الدولي لم يعد في صالحهم، وأن إستمرار الحرب سيؤدي إلى هلاك مليشياتهم المسلحة وإنهاك الجيش الذي يمثل رهانهم الإستراتيجي الأهم. ومن هنا، فإن تمسّكهم بالبرهان تحت شعار “مع البرهان في الحرب والسلم” لا يصدر من قناعة بمشروعه أو بتحركاته الأخيرة، بل بإعتباره “جسر طوارئ” يعبرون من خلاله نحو ترتيبات إنتقالية قد تضمن لهم موطئ قدم في السلطة المقبلة، أو على الأقل توفر لهم مخرج آمن من المساءلة، وهي آخر “الأمنيات” قبل الوداع .

تتجلى ملامح هذا الخط السياسي الجديد في سلسلة من التحركات السياسية والإعلامية، أبرزها ندوة لندن الأخيرة التي تم عقدها تحت لافتة مصطنعة بعنوان “رؤية وطنية لتحقيق السلام العادل في السودان” شارك فيها عدد من الإعلاميين المحسوبين علي النظام السابق، والمعروفين بتحريضهم المستمر على الحرب .
وقد شكّلت تلك الندوة إعلاناً غير رسمي لتدشين “الخط السياسي الجديد”،للتعاطي مع الواقع الراهن عبر تركيز المتحدثين على طرح خطاب “العدالة والمصالحة” بكل براءة الأطفال، وكأنهم لم يكونوا الترس الرئيس في ماكينة التحريض والتعبئة والتجييش بالأمس.

وفي الوقت ذاته، ينشط الفلول في التغلغل داخل المبادرات المدنية عبر حلفائهم وواجهاتهم العديدة، بما فيها “الرسمية”، مكرّسين شعارات مثل “عدم الإقصاء” و”شمول العملية السياسية” و”الحوار الذي لا يستثني أحد”. وهي شعارات تُستخدم كغطاء لاختراق الفضاء المدني والتسلل مجدداً إلى المشهد السياسي.

كما يحرّك الفلول آخر ما في جعبتهم من واجهات إعلامية وإجتماعية “منتقاة” لتبني خطاب “تصالحي” يجنّبهم الاصطدام المباشر مع البرهان، ولو مؤقتاً، مع إستمرار تمسكهم بمواقعهم داخل الأجهزة العسكرية والأمنية التي تمثل آخر معاقل نفوذهم الفعلي.

من جهة أخرى، تتزايد المؤشرات على وجود تباينات داخل التيار الإسلاموي نفسه في الموقف من الحل المتفاوض عليه، إذ تعيش مكوناته حالة من الصراع المكتوم خاصة حول من يقود المرحلة المقبلة، ومن يملك القرار داخل المؤسسة العسكرية. ولا يُستبعد أن تدفع هذه التناقضات بعض الأجنحة إلى مغامرات غير محسوبة قد تسرّع بنهايتهم السياسية، خصوصاً في ظل إنكشاف دورهم أمام الرأي العام وسقوط “السلطة” التي كانت تحميهم وتتستر على فسادهم وفضائحهم وتقيهم من التشظي والعزلة.

وتبدو المفارقة الكبرى اليوم أن المعسكر الذي أشعل الحرب وعمل على تخوين دعاة السلام وإنهاء الحرب، هو ذاته الطرف الذي يسعى لتسويق نفسه كراعٍ للسلام، في حين يتقدم التيار المدني بخطاب أكثر توازناً ونضجاً، يدعو إلى إنهاء الحرب وبناء دولة المواطنة والعدالة. وهنا يبرز التحدي الحقيقي، كيف يمكن تحويل دعوات السلام إلى عملية سياسية شفافة تحافظ على ثوابت الوطن، ولا تسمح بإعادة إنتاج الفلول وأطراف الحرب تحت مسمى “التوافق الوطني”؟

وعلى رغمه، فإن أي مسار نحو وقف الحرب يجب أن يُدعَم، ولكن بحذر وبشروط واضحة تضمن ألا يكون السلام مجرد “إستراحة محارب”. فالسلام يجب أن يمثل خطوة حقيقية نحو تفكيك منظومة الحرب “السياسية والمليشياوية”، وإغلاق أبواب العودة إلى السلطة عبر فوهة البندقية. فسلام بلا عدالة إنتقالية ومحاسبة، سلام لا يبعد الجيش عن المشهد السياسي، ولا يجرد المليشيات من السلاح ويدمجها في المجتمع المدني، لن يصمد. كما أن تسوية بلا إصلاح عميق للمؤسسة العسكرية والأمنية ستعيد إنتاج الأزمة في ثوب جديد.

نقف اليوم على مفترق طرق حاسم، إما أن تكون هذه اللحظة بداية لتحول ديمقراطي حقيقي تُبنى فيه دولة المؤسسات والمواطنة، أو أن تتحول إلى محطة أخرى لإعادة تدوير الفشل ذاته.
ويبقى الرهان الأكبر على القوى السياسية والمدنية الحية، التي يجب أن تمتلك الشجاعة لتوحيد صفوفها لبناء جبهة شعبية عريضة للسلام والديمقراطية، جبهة قادرة على فرض إرادتها عبر موقف وطني صحيح وخطاب سياسى وإعلامي موحد وحراك جماهيري قاعدي، جبهة عريضة تعزز إرادة الشعب وتحمي الثورة من محاولات الإختطاف القديمة المتجددة.

فمن ساحات الحرب إلى طاولة التفاوض، تتحدد اليوم ملامح الغد السوداني، إما وطن يتصالح مع ذاته، وقوى وطنية ديمقراطية ملتزمة بإرادة الشعب وتطلعاته المشروعة التي عبرت عنها شعارات وتضحيات إنتفاضة ديسمبر الثورية المجيدة، أو صراع يتجدد بأسماء جديدة ووجوه قديمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى