مقالات واراء

إمتحان الشهادة السودانية أم إمتحان الضمير الوطني؟ كيف تحولت معاناة آلاف الطلاب المحرومين من التعليم إلى قضية سيادة، بينما ظل حرمانهم نفسه خارج دائرة الإهتمام؟

آدم الحاج أديب

كشفت الحرب السودانية عن واحدة من أكبر المآسي الإنسانية في تاريخ البلاد الحديث، حيث وجد آلاف الطلاب أنفسهم خارج مقاعد الدراسة بسبب النزوح والاقتتال وانهيار مؤسسات الدولة. ومع ذلك، لم يتحول حرمان هؤلاء الطلاب من التعليم إلى قضية وطنية تحتل موقعها المستحق في الخطاب السياسي والإعلامي، رغم أن ضياع تعليم جيل كامل يمثل تهديداً حقيقياً لمستقبل السودان.

المفارقة المؤلمة أن الجدل لم يبدأ عند حرمان الطلاب من التعليم، بل بدأ عندما ظهرت محاولات لإتاحة الفرصة لهم لأداء امتحانات الشهادة السودانية. عندها ارتفعت أصوات تتحدث عن السيادة الوطنية والمخاطر السياسية، وكأن تمكين الطالب من حقه في التعليم أصبح تهديداً للوطن، بينما لم يُنظر إلى حرمانه من هذا الحق باعتباره تهديداً للدولة والمجتمع.

هذا التناقض يكشف أزمة أعمق في مفهوم الدولة والمواطنة. فالسيادة في معناها الحقيقي لا تقوم على حرمان المواطنين من حقوقهم، بل على حمايتها وضمانها. والدولة التي تخشى من تعليم أبنائها تخطئ في تعريف أمنها القومي ومستقبلها.

لقد ساهمت سياسات الجماعات الإسلامية السياسية خلال العقود الماضية في تعميق هذا الخلل عبر ممارسات قامت على الاستقطاب والإقصاء وإدارة التنوع بمنطق الهيمنة لا الشراكة. وقد أدت سياسات “فرق تسد” إلى إضعاف النسيج الاجتماعي وتغذية الانقسامات الجهوية والسياسية، حتى أصبح الوطن نفسه يدفع ثمن هذه السياسات التي مزقت الثقة بين مكوناته المختلفة.

ومن أكثر مظاهر التناقض وضوحاً ما يمكن وصفه بفضيحة الصمت عن السيادة في قضية حلايب وشلاتين، مقابل التشدق المتكرر بشعارات السيادة عند الحديث عن حقوق الطلاب. فإذا كانت السيادة مبدأً وطنياً ثابتاً، فلماذا لا يحظى هذا الملف بذات الحماس والخطاب التعبوي؟ ولماذا تُستدعى السيادة عندما يتعلق الأمر بمنح حق مشروع لأبناء وبنات الوطن؟ إن هذا التناقض يكشف توظيفاً سياسياً انتقائياً للمفاهيم الوطنية، ويطرح أسئلة مشروعة حول ترتيب الأولويات في الخطاب العام.

ولا يقف الأمر عند حدود الجدل النظري، بل يمتد إلى وقائع أكثر قسوة، حيث أُثيرت تقارير وشهادات عن تعرض بعض الطلاب للاعتقال أو الاحتجاز أثناء توجههم لأداء الامتحانات تحت ذرائع أمنية مختلفة. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: كيف يتحول الطالب الساعي إلى مستقبله إلى موضع اشتباه بدلاً من أن يكون موضع حماية ورعاية؟

إن السودان يقف اليوم بين خيارين لا ثالث لهما: إما بناء وطن يتسع للجميع على أساس المواطنة المتساوية وسيادة القانون والعدالة، وإما الاستمرار في إعادة إنتاج أزمات الماضي التي قادت إلى الحروب والانقسامات. وبين الماضي والحاضر يبقى الدرس واضحاً؛ فالأوطان لا تُبنى بالإقصاء ولا بالشعارات، بل بإرادة جامعة تعترف بحقوق الجميع. أما إرادة الشعوب، فقد أثبت التاريخ مراراً أنها لا تُهزم مهما طال الطريق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى