مقالات واراء

الدرت: موسم الأرض والروح في شرق دارفور

عبدالله حسن

“يوم الحصاد، كان العرق الذي سال في الحقل يتحول إلى ذهب في العيون، ليس من أجل المال، بل من أجل معنى الحياة نفسه.”

– رواية مئة عام من العزلة، غابرييل غارسيا ماركيز

في شرق دارفور، حين يتنفس الكون عبق الحصاد، وحين تنحني السنابل مثقلة بكرم الأرض، يبدأ موسم “الدرت”، وهو أكثر من مجرد حصاد، إنه طقس من طقوس الحياة، موسم تعزف فيه الأرض سيمفونية من العطاء والفرح. هنا، في هذه البقعة التي تشهد امتزاج الزراعة والرعي كنسغ يجري في عروق الناس، لا يكاد يوجد أحد لا يحمل على كاهله حكاية مع المحراث أو خطوات خلف القطيع.

منذ عقود طويلة، كان ديسمبر وحتى مارس موعداً يترقبه أهل شرق دارفور بشغف. ليس لأن الأرض تمنح ثمارها فقط، بل لأن هذا الموسم يوقظ في القلوب نغمات الفرح. إنه زمن الأعراس والمناسبات، حين تتحول القرى والمدن إلى مهرجانات صغيرة يتشارك فيها الجميع البهجة. كل شاب يحلم ببناء عش زوجي جديد يبدأ رحلته في بداية فصل الخريف بزراعة الفول السوداني، السلعة التي لا تُعد فقط مصدر رزق، بل رمزاً للكدح والتخطيط لحياة أفضل. كان هذا المحصول بمثابة المفتاح لباب الحياة، يجلب المال، ويزيل عن الكواهل عبء الاستدانة، في مجتمع يتنفس الكرم ويتقاسم أعباء الحياة بسخاء لا مثيل له.

لكن في موسم “الدرت” الماضي لم تعد الأرض تغني بالفرح كما اعتادت. الحرب، بكل ما حملته من وجع وألم، ألقت بظلالها القاتمة على وجوه الناس وقلوبهم. حالة الحزن التي تخيم على السودان بأسره تسربت إلى الحقول. المحاصيل، التي كانت يوماً مفخرة المزارعين، أصبحت عبئاً؛ فالفول السوداني، ملك الأسواق سابقاً، تهاوى سعره ليصبح خاسراً أمام تكاليف إنتاجه. في زمن “الدرت” الذي كان شاهداً على الأفراح، أصبح الواقع أقسى، والاقتصاد الذي كان يوماً داعماً للأحلام صار سكيناً يُثقل الجيوب الخاوية.

إنسان شرق دارفور عانى من ضائقة اقتصادية كادت أن تصل به إلى المجاعة في موسم الخريف المنصرم، حين أنهكته التكاليف الباهظة والندرة التي فرضتها الحرب، وأثقلت على كاهله ظروف اقتصادية جعلت النجاة صراعاً يومياً. ومع ذلك، جاء شهر نوفمبر هذا ببداياته ليُخرج من الأرض محاصيلها، وكأنها تمتد لتفرج كربته وتعيد له شيئاً من الطمأنينة في زمن يفيض بالمآسي.

وعلى الرغم من ذلك، فإن أرض شرق دارفور الخصبة ظلت لعقود وجهة للسودانيين من أقاصي الشمال والوسط والغرب، الذين يتوافدون إليها بشغف لممارسة الزراعة، خاصة زراعة الفول السوداني في الفيافي الواسعة الممتدة شرقاً وشمالاً وجنوباً وغرباً من حاضرتها الضعين. مع بداية موسم الخريف، تعج هذه الأراضي بسودانيين من مختلف سحناتهم وتنوعهم الثقافي، وحتى إخوتنا من جنوب السودان الحبيب يأتون خلال هذا الموسم للعمل والإنتاج، حاملين معهم روح الكدح والأمل، في مشهد يعكس وحدة السودانيين رغم اختلاف مشاربهم.

ومع ذلك، فإن شرق دارفور لا يزال يصارع. الأرض هنا لا تخذل من زرعها، والناس هنا لا يتخلون عن بعضهم. حتى في زمن الحرب، تظل روح التكافل متقدة، والقلوب التي أنهكتها الأحزان تجد في “الدرت” بصيص أمل يشعل في الأرواح شغف الاستمرار.

نتمنى ونحن في بداية موسم الدرت أن تعد الحياة لهذه الأرض الطيبة وأهلها، وأن تعد لهم الأفراح ولكل السودان، وأن تقف الحرب وتصمد أصوات الرصاص.

هكذا، يبقى “الدرت” أكثر من مجرد موسم للحصاد. إنه انعكاس للروح التي تأبى الانكسار، وصورة عن مجتمع يستمد قوته من ترابه وأهله، ليبقى شاهداً على أن الأرض التي تُروى بالعرق، لا تبخل بالثمر، مهما اشتدّت المحن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى