مقالات واراء

كفى حربًا… أما آن للعقل أن يهتدي؟

جمعة حراز يكتب:

في مشهدٍ جديدٍ يوجع القلب ويعري الحقيقة، أحبطت السلطات الإماراتية محاولة تهريب عتاد عسكري مخصص للجيش السوداني، في عملية خبيثة تديرها خلية لا ترى في السودان إلا سوقًا للدم، ووسيلةً للربح، ولو على جماجم الأبرياء. لا همَّ لها بوطنٍ ينزف، ولا بشعبٍ يتشظى، بل غايتها أن يطول أمد الحرب، ليزداد الكسب وتتضاعف الأرباح.

لكن خلف هذه المحاولات القذرة، تتكشف فصول مروعة من المأساة: ضربة قاعدة وادي سيدنا الجوية وحدها كلفت البلاد أكثر من ملياري دولار، وأفقدت سلاح الجو كوادر من خيرة أبنائه: 58 ضابطًا من الرتب العليا، وأكثر من 120 من الجنود والضباط، إلى جانب عشرات المقاتلين الأجانب من المصريين والإيرانيين والأوكرانيين والفلبينيين، وكأن البلاد أصبحت مسرحًا لتصفية الحسابات الدولية على أرضنا المنكوبة.
ومع كل هذه التضحيات، كان الثمن أفدح وأوجع: أكثر من 250,000 قتيل وجريح ومفقود واسير بنى تحتية قُوضت، ومدن بكاملها تحولت إلى أنقاض، ومستشفيات ومدارس ومصانع دُمرت، وسكان شُردوا حتى لم يبقَ بيتٌ إلا وفيه نازح أو لاجئ.
ورغم كل ذلك، لا يزال سماسرة الحرب يصرخون: “سحقًا وسحقًا!”، وكأنهم لا يشبعون من الدم ولا يرتوون من الألم. يتاجرون بالموت، ويخدعون الجنود والشباب بشعارات زائفة، وهم في الحقيقة أبعد الناس عن حب الوطن أو الغيرة عليه.
وها هو رئيس مجلس السيادة يصدح علنًا: “المجد للبندقية”، في رسالة صادمة تنسف كل أمل في عودة الدولة المدنية، وتمنح السلاح شرعية فوق القانون، وفوق الإنسان. تصريح يحمل دلالات خطيرة، ويعكس انهيارًا في المفهوم الوطني للدولة، حيث أصبح كل من يحمل سلاحًا “وطنيًا”، وكل مدني أعزل متهمًا حتى تثبت خيانته.
بهذا التصريح، تم وأد ما تبقى من الخدمة المدنية، وتحول حاجز العزل إلى جدار إسمنتي داخل مؤسسات الدولة، يفصل بين مواطنٍ مسالم، ومسلّحٍ عابث، يحكم بقوة الرصاص.
فأي دركٍ هذا الذي وصلنا إليه؟ وأي وطنٍ هذا الذي يُكرّم فيه من يمصّ دماء شعبه، ويُقصى فيه من آمن بسلمية الحلم وعدالة الدولة؟
إن الحرب لم تعد صراعًا على السلطة، بل تحولت إلى وحشٍ يلتهم الوطن بأكمله.
إن أعظم معركة اليوم ليست في ميدان القتال، بل في انتصار العقل على الجنون، والضمير على المكسب، والرحمة على الحقد.
أيها الجنرالات… كفى عبثًا، كفى مكابرة.
أوقفوا هذه المذبحة، قبل أن لا يبقى من السودان شيء يُبكى عليه.
إيقاف الحرب ليس هزيمة… بل أعظم انتصار للوطن.
إيقاف الحرب نعمة… يهديها الله لمن أخلص نيته، وصدق شعبه، وخاف ربه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى