مقالات واراء

عمار نجم الدين يكتب: أُسَامَة حُسَـيْن.. الظِّـلِّ العَالي في مَنْزِلهِ الأخِير

قَتَلُوكَ.. يَا آخِرَ السَّيْفِ الَّذِي
يَحْمِي “الـمَدِيـنَـةَ” مِنْ ذَبِيحٍ لِذَبِيحْ
قَتَلُوكَ.. لَمْ يَدْرُوا بِأَنَّكَ ثَوْرَةٌ
تَبْدَأُ مِنْ مَوْتِ المَسِيحِ.. إلَى المَسِيحْ

في غمرةِ الكربِ الذي لا ينقضي، وحين تضيقُ الأرضُ بما رَحُبت على أصحابِ الكلمة، يجيءُ نعيُ “أسامة حسين”، عضو المجلس الرئاسي بتأسيس، كوقعِ الصاعقةِ في يومِ ريحٍ صرصر. إن اغتيالَه في مخدعِ أمنِهِ بمدينة نيالا، بآلةِ اغتيال تنقضُّ من السماء، ليس إلا نذيراً بانفراطِ عِقدِ المروءة، ودخولِ البلادِ في معارجِ جحيمٍ كانت تُستبعدُ منها النفوسُ الأبية.
لقد رُفع السلاحُ في هذا الوطنِ اضطراراً، وكان التعاقدُ بين الفرسانِ – وإن تباينت السبلُ – أن يبقى الدمُ المدنيُّ حَرَماً آمناً، وأن تظلَّ الخصومةُ في مأمنٍ من “الاغتيالات اليائسة”. لكنَّ القومَ الذين أدمنوا سفكَ دماءِ الطُلابِ في محاريبِ العلم، وقتلِ النقابيين الأعزلاء، واستباحةِ الخدورِ في دارفور، وحرقِ الشجرِ والبشرِ في جنوبِ السودان؛ أبوا إلا أن يسلكوا مسالك “الحشاشين” في قديمِ الزمان. إنهم يفتحون أبواباً من الفتنِ لا تُسدّ، ويستحضرون عهوداً خِلنا أنها طُويت، حيث يُغتالُ المرءُ لا لمبارزةٍ في ميدان، بل لنبلٍ في قلبٍ وعفةٍ في لسان.
وكأنَّ لسانَ حالِ الزمانِ يتمثلُ بقولِ أبي العلاء:
تَحَطَّمَتِ العُصورُ ونحنُ فيها … كَأَشلاءٍ تَمُزِّقُها الدَّواهي
فوا عَجَباً لِموتِ الحُرِّ غَدراً … وبَعضُ النَّاسِ في رَغَدٍ ولاهي
إنَّ المصيبةَ ليست في فِراقِ أسامة فحسب، بل في “العقلِ المدبر” الذي يرى في اغتيالِ الرموزِ المدنيةِ ظَفَراً. إنهم لا يدركون أنَّ جَسداً يُوارى الترابَ هو في حقيقةِ الأمرِ “بذرةٌ” لوعيٍ جديد. لقد أرادوها “تصفيةً” لينهوا بها حلمَ “تأسيس”، فإذا بدمِ أسامةَ يغدو ميثاقاً غليظاً يربطُ بين القلوبِ المكلومة، ويَفضحُ تلك الفئةَ التي ما دخلت قريةً إلا أفسدتها، ولا عاهدت عهداً إلا نبذته.
يا أسامة.. ذهبتَ إلى ربٍ كريم، نقيَّ الثوبِ من دنسِ المظالم، طاهرَ اليدِ من دماءِ الخلق. قتلوكَ لأنك كنتَ “المدنيَّ” الذي يخشون منطقَه، والقياديَّ الذي يُربكُ بوعيهِ أوهامَ تسلّطهم. تركتنا في زمنٍ صار فيه البيتُ هدفاً، والحلمُ مَهلكة، ولكنَّ عزاءنا أنَّ القتلةَ وإن ملكوا “عنانَ الجوِّ” بمسيراتهم، فإنهم قد خسروا “قرارَ الأرضِ” في وجدانِ شعبِهم إلى الأبد.
نم قرير العين، فما كان الدمُ يوماً نهايةَ القضية، بل هو البدءُ الحقيقيُّ لنهايةِ الطغيان.
عمار .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى