مقالات واراء

سردية القوة والإنكار في مشروع الدولة الشمولي

احمد السميح

منذ بواكير تشكل الدولة السودانية الحديثة، ظلت القبائل النيلية في المركز، وتحديدًا الشايقية، تمارس دورًا فاعلًا في هندسة السلطة وموازينها، لا من باب التمثيل العادل، بل من مدخل الشمول والاحتكار. لم يكن هذا التمكين صدفة جغرافية ولا تميّزًا ثقافيًا، بل نتاج مشروع شمولي مبيّت، استخدم أدوات الدولة الحديثة من تعليم وإدارة وأمن واقتصاد لتأسيس منظومة حكم تدور على قطب واحد للسيطرة الشاملة علي الدولة.

و قد استطاعت الحركة الشايقية، عبر نخبها المتسلقة في أجهزة الدولة، أن تُعيد إنتاج ذاتها كمعيار للدولة، فكل ما هو خارجها يُحاكم بمنطقها، سواء في الثقافة أو الولاء أو حتى في تصور الوطنية. هذا التمركز، الذي بلغ درجة التقديس في الإعلام والتعليم، لم يكن إلا وجها من وجوه النازية السياسية في نسختها المحلية: الدولة تمثل هوية جلابة ، والحاكم الحقيقي شايقي، والمعارض ضد الدولة بالتالي خائن.

وقد استخدم هذا المشروع أدوات متعددة، أبرزها الدعاية المكثفة، والقبضة الأمنية الصارمة، ما جعل هذا الأسلوب يشبه إلى حد بعيد الأسلوب النازي بقيادة هتلر، من حيث البنية السياسية والدعاية القمعية وتصوير الزعامة كأيقونة مقدسة

وتحول المنتقدين ليخضعون للرقابة والابتزاز والتمييز، كلما حاولوا التعبير عن هويتهم أو مصالحهم.

لقد أفرز هذا النظام بنية سياسية مغلقة على ذاتها، تُقصي كل من لا ينتمي إلى المركز، وتحديدًا الشمال النيلي. وما أن تعالت الأصوات من شرق البلاد وغربها وجنوبه، مطالبة بالتمثيل العادل، حتى وُوجهت بالقمع أو العزل أو الاتهام بالخيانة والارتباط بالأجنبي. فالمركز لا يخطئ، ومن يُشكّك فيه يُرجم بالتخوين.

وقد أدّى هذا النهج إلى خلق بيئة من الجمود والاضطراب، ناتجة عن تقاطع مصالح الفئات خارج بنية الدولة المركزية. ونتيجة لذلك، غاب الشعور العام بالوطنية، بسبب شعور غالبية المكونات بأن الحكم محتكر من فئة واحدة، مما كرّس نظامًا أوتوقراطيًا متمركزًا حول جماعة ضيقة، تتخذت القرارات وفرضتها دون رقابة أو مشاركة عامة، مستخدمة القمع أداة لخدمة مصالحها الخاصة دون محاسبة.

ولم يكن تمرد الجنوب، ولا الحركات المسلحة في دارفور وجبال النوبة، سوى أعراض طبيعية لجسد وطني أُنهك بالإقصاء. فحين تحتكر أقلية مفاتيح الدولة، وتُقصي الآخر بوصفه ناقضًا للعقد الاجتماعي، فإنها بذلك تؤسس لحرب أهلية مضمرة، تظهر متى ما اختل ميزان القوة.

وإذا كانت النازية الألمانية قد انهارت تحت وطأة الحرب، فإن النازية السودانية بوجهها الشايقي وجدت نفسها اليوم في مهب الريح، بعدما تحولت آليات القمع إلى أدوات عكسية، فانتقل العنف من أدوات الدولة إلى هامشها، وتحولت الضحية إلى فاعل مسلح يعيد رسم خريطة السلطة.

وفي المقابل، كلما أحس الجلابة بخطر الفئات خارج سلطتهم، حاولوا احتواءها، وإن استعصى عليهم الأمر، لجأوا إلى عزل المجموعات، لا بناءً على الأيديولوجيا أو التنظيم، بل على أساس عرقي وإثني. وهذا ما حدث مثلًا في التمرّد الأول في جنوب السودان، حين جرى عزل مجموعات إثنية وتغذية خطاب الكراهية تجاهها.

وقد تكرّر المشهد في دارفور، حيث تم استهداف أبناء الزغاوة بذريعة دولة الزغاوة الكبرى، فعُزلوا وأُفقِروا وأُبعدوا من الأسواق والنفوذ السياسي.

و هنا انزار بداية المرحلة الأخيرة من المشروع الشمولي للجلابة، حيث سيتجه مشروع السيطرة إلى القمع المباشر والقوة المفرطة، مع استهداف ممنهج لأبناء مجموعات إثنية بعينها تحت مزاعم انتمائهم لعرب غرب السودان، واتهامهم بأنهم جزء من دولة العطاوة الكبرى، في تكرار لنفس المنهج الذي مورس سابقًا تجاه الحركات المسلحة.

و إن معركة 15 أبريل ليست إلا ذروة جبل الجليد، حيث تم تفكك المشروع الشمولي أمام أعين أصحابه، وسقطت أقنعة الطهرانية عن نخب ظلت لعقود تتحدث عن الوطن بينما تقصد مصالحها الخاصة.

وفي لحظة انهياره هذه، يبدو الاعتراف بالهزيمة السياسية والأخلاقية أكثر نبلًا من المكابرة. لكن المشكلة أن النخبة التي أدمنت الاحتكار لا تجيد لغة الاعتراف، بل تواصل إنتاج الأكاذيب القديمة ، في حين يتقدم الهامش عسكريًا ورمزيًا.

لم يعد ممكنًا تجاهل أن ما يحدث اليوم هو انقلاب في بنية الدولة، يعيد تعريف من هو الجلاد، ومن هو الحكم. وقد آن لهذا الوطن أن يعيد بناء ذاته على أسس جديدة، لا تلغي الشايقية، ولكنها لا تضعهم في موضع الإله.

فالزمن قد تغير، والذاكرة الجمعية لم تعد تقبل الطمس، وكل محاولة لإعادة إنتاج استبداد الشريط النيلي لن تكون إلا إعلانًا جديدًا لنهايته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى